ابن عجيبة

432

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : لأنه محل مناجاته ، ومعدن معرفته ، وخزانة سره ، فليس للشيطان عليه من سبيل . قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * « 1 » . وأما النفس فإنها مملوكة تباع وتشترى . ه . ثم بيّن أوصاف البائعين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 112 ] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) قلت : ( التائبون ) : خبر ، أي : هم التائبون ، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : التائبون في الجنة وإن لم يجاهدوا ، لقوله تعالى : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى * « 2 » ، أو خبره ما بعده ، أي : التائبون عن الكفر ، على الحقيقة ، هم الجامعون لهذه الخصال . يقول الحق جل جلاله ، في وصف البائعين أنفسهم وأموالهم : هم التَّائِبُونَ عن الكفر والمعاصي والهفوات والغفلات ، الْعابِدُونَ لله ، مخلصين له الدين ، الْحامِدُونَ الله في السراء والضراء وعلى كل حال ، السَّائِحُونَ أي : الصائمون ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « سياحة أمتي الصوم » « 3 » ، شبه بها من حيث إنه يعوق عن الشهوات ، أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملكوت والجبروت . أو السائحون للجهاد ، أو لطلب لعلم ، أو لزيارة المشايخ والإخوان . الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ في الصلاة ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي : بكل ما هو معروف محمود ، كالإيمان والطاعة ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي : كل ما هو منكر في الشرع ، كالكفر والمعاصي ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي : لكل ما حده الشارع وعينه من الحقائق والشرائع . قال البيضاوي : وعطف قوله : وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ دون ما قبله ؛ للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة ، كأنه قال : الجامعون بين الوصفين ، وعطف أيضا قوله : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ؛ للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل ، وهذا مجملها ، وقيل :

--> ( 1 ) من الآية 65 من سورة الإسراء . ( 2 ) من الآية 95 من سورة النساء . ( 3 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 11 / 35 ) موقوفا على السيدة عائشة ، بلفظ « سياحة هذه الأمة الصيام ، وأخرجه مرفوعا ، عن عبيد بن عمير ، بلفظ : ( سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن السائحين فقال : « هم الصائمون » ) .